|
تاريخ الإرهاب
هذا نص الخطاب الذي ألقاه فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة(المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم) في مؤتمر الإسلام والغرب المنعقد بالخرطوم في الفترة ما بين 19 حتى 21 من شوال من هذا العام 1424هـ
1 ـ تاريخ الإرهاب قديم وليس مفاجأة القرن العشرين مارسته مجموعات لا تتحلى بالعدالة واحترام الحقوق.) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين( (المائدة:27)
وكان التعليق القرآني ) أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)(المائدة: من الآية32(
2 ـ في العصر الحاضر أخذ وظيفة إعلامية مساندة للحرب أو محركه لها .
ريغان أعلن الحرب على الإرهاب الشيوعي .
واتخذته الإدارة الحاضرة لملاحقة أشكال التميز في الفكر والتطبيق وكأن التعريف يندرج مما يعرف: بالعد لا بالحد.
فالإرهاب هو كل ما كان استقلالاً في الإرادة ضد الإدارة!!!
) من لم يكن معنا فهو ضدنا ..(.
3 ـ بعد الحرب الباردة لم تبد الأمور أفضل كثيراً مما كانت عليه؛ لأن العالم تحول إلى نظام أحادي التكوين!
وصارت الإدارة الأمريكية تلاحق كل أشكال الطموح والتميز في العالم وتسعى إلى تعميم نموذجها السياسي والثقافي ومصادرة حتى مجرد التفكير في الخروج على قانونها الجديد.
4 ـ وكانت أحداث 11 سبتمبر الفرصة المرتقبة؛ لرسم سياسة (العنف؛ والعنف المضاد(
وهكذا ! لم تعد دول العالم الإسلامي وحدها هي المستهدفة بل شمل ذلك دولاً أخرى كأوروبا .
ولقد أعلن الجميع إدانتهم للأحداث لكن الإدارة وضعتها منطلقاً لسياسة جديدة؛ تدين الإرهاب ضد أمريكا لكنها لا تعده إرهاباً إذا كان ضد مدنيين في: أفغانستان أو العراق أو فلسطين!!
وبهذا يتحول صراع أمريكا إلى مواجهة محتملة مع قوى عالمية عديدة لا تستسلم للطموح الأمريكي.
5 ـ لفظ الإرهاب ليس مصطلحاً شرعياً مقبولاً بل جاء في سياق الفعل:
) تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )(لأنفال: من الآية60(
وهذا نوع من الردع ( القوة الرادعة(
والإسلام دين الرحمة؛ فهو يقرر أن خلقه رحمة وشرعه رحمة حتى لغير المؤمنين.
وقد أصبح مقروناً بلفظ " الجهاد " الشرعي الذي لا يعني القتال بالضرورة ؛ بل يشمل ألوان المجاهدات الفاضلة.
ويشمل القتال الذي لا يستهدف التوسع الإمبراطوري ولا السطو والاعتداء ولكن حماية الأمة الإسلامية والمشروع الإسلامي :
) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )(البقرة:190(
ولذا؛ يجب التفريق بين الاعتداء والبغي بغير حق وبين المقاومة المشروعة في الدفاع عن النفس أو مقاومة المحتل أو طرد المستعمر أياً كان!
وحتى في هذه الحالة؛ فللحرب نظام أخلاقي صارم.
وبهذا يظهر أن حقيقة الجهاد الشرعي هي: مقاومة الظلم والتسلط والدكتاتورية.
أي: مقاومة الإرهاب؛ كما يسمى( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرا) (النساء:75(
قال الزجاج : ما لكم لا تسعون في خلاصهم؟!!
وينهى سبحانه وتعالى عن الاعتداء على من صدوهم عن المسجد الحرام .
6 ـ القوي هو الذي يرسم التعاريف وينفذها وهذه مشكلة أخلاقية.
جيش الدفاع الإسرائيلي وأمريكا تضرب في اليابان وأندونسيا والعراق وأفغانستان وفلسطين تحت مبررات شتى .
ونحن هنا نؤكد أن الأعمال الانتحارية التي وقعت مرفوضة تحت أي مبرر؛ لكن من الخطأ الفادح أن يدفع ثمنها مليار مسلم صاروا هدفاً للتضييق والملاحقة والأذية.
والغرب بهذا - خاصة أمريكا وحلفاؤها- يدشنون ألواناً من المعاناة التي تحرم المسلم من الهدوء والاستقرار والتمتع بطيبات الحياة الدنيا.
ومن قيم الإسلام قيمة الاستشهاد والفداء والتضحية وهذه هي المسؤولة عن مدافعة العدو ومقاومته مهما كلّف الأمر.
ومحمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة وهو نبي الملحمة!
وفكرة تجريد المسلم من تدينه؛ سواء صدرت عن إدارة أمريكية أو إدارات محلية عربية وإسلامية؛ هي فكرة محكومة بالفشل.
فحتى المسلم المقصر والمفرط والمتردد على الملهى والبار لديه عاطفة دينية وربما يفكر أن أقرب طريق للخلاص من معاناته الأخلاقية هو التفجير.
نحن أدنّا حوادث التفجير أياً كان موقعها ومصدرها وربما بعض هؤلاء هم الوجه الآخر للأحادية:
)من لم يكن معي؛ فهو ضد الله)
7 ـ ليس مطلوباً أن نسير دائماً ضد التيار وأن نختار موقف الضدية دائماً لكن ليس مقبولاً شرعاً وأمانة أن تتحرك حكومات المسلمين أو شعوبهم؛ لدعم قوى لا تحترم الحقوق ولا تقيم للعدالة وزناً!
وربما يكون الإسلام نفسه مستهدفاً في هذه الحرب تحت اسم رمزي أو حقيقي.
المسلمون مطالبون أن يقفوا ضد إرهاب الدول وضد إرهاب الجماعات والأفراد سواء.
الإسلام يؤيد موقف التضامن مع الآخرين لإرساء قواعد الأمن والاستقرار والسلام ومكافحة الفقر والمرض والجريمة المنظمة وغيرها!
ولن تستطيع دول الإسلام أن تتخذ موقفاً مؤثراً ما لم تنجح في تجسير العلاقة مع الشعوب ورد الحقوق لأهلها وفتح المجال لحرية الرأي المنضبطة والسماح بالتعددية في إطار الشريعة.
وحتى لو فعلت ذلت فهي تحتاج إلى خطوة أخرى تجاه ترميم علاقتها مع جيرانها من العرب والمسلمين.
نحن في عصر التكتل والأحلاف ولن نقاوم العولمة العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية؛ إلا من خلال إطار إسلامي متكامل.
هذه أحلام !
نعم أحلام !!
منى إن تكن حقاً تكن أعذب المنى
وإلا فقد عشـــنا بها زمــــناً رغدا!
8 ـ الإسلام يعطي مساحة للتنوع في فهم النص الشرعي ضمن أصول وضوابط دقيقة ومتقنة.
كما يسمح بالتنوع في الاهتمامات, والعناية ببعض الأولويات.
وهناك مدارس عديدة داخل الإسلام ومنها (الوهابية) .
وهو ليس اسماً اختيارياً!! فهي لم تشأ أن تكون مدرسة مستقلة.
وهي ككل الحركات التجديدية التصحيحية تقوم على نبذ التقليد والتعصب والتعلق بالأشخاص.
فمن البدهي أنها لا تمنح نفسها معصومية, ولا أحقية مطلقة لاجتهاداتها, فضلاً عن أقوال شيوخها وعلمائها.
ولا يوجد في الأنظمة, ولا في الدراسات الجامعية, أو غيرها ما يقضي بأن الدولة تلتزم أو تلزم الآخرين بها, إلا في القدر المشترك الذي هو دين الأمة من الإيمان بالله وعبادته ونشر قيم الخير والأخلاق .
9 ـ إن من العدل مع النفس أن نعالج أي خلل قائم في المجتمعات الإسلامية.
وأن تتواصى الدوائر العلمية, والشرعية الرسمية, وغير الرسمية؛ على حجب حق الفتوى في المهمات, والمسائل الكبار, والقضايا المصيرية- كقضايا السياسة, والجهاد, وبعض مسائل الاقتصاد, والمعارف الحديثة المؤثرة - عن آحاد الناس, وأفرادهم.
وأن يكون ذلك ضمن إطار اجتهاد جماعي ناضج, خارج عن تأثير السلطة السياسية, أو العرف الاجتماعي, أو أي اعتبار آخر.
وهذا لا يعني تجاهل الواقع والتعالي عنه, لكن يعني الوضوح والمصداقية والفتوى الشورية الجماعية.
10 ـ وقد يبدو من المفيد أن تضطلع نخبة من أهل العلم, والدعوة, والسابقة بكتابة مخاطبة, أو مخاطبات للمؤسسات الأمريكية , والرسمية منها على وجه الخصوص كالكونجرس؛ في التعبير عن الموقف الإسلامي والخيار الشرعي بكل شجاعة وجرأة وإنصاف, مع توجيه الضوء الإعلامي على مثل هذه الأنشطة؛ فإن هذا من المجادلة بالتي هي أحسن لأهل الكتاب, ومن النطق عن الشريعة, وبيان حكمها الرشيد, في النوازل والملمات, ويكون له دور في حماية المجتمع من الانحرافات, التي يقتات منها التطرف.
ولعل هذا المؤتمر الكريم يتبنى هذه المبادرة أو ينظر فيها!!
ويجب أن تنطلق من قاعدة: أن نشر الاعتدال يضيق الخناق على الاتجاهات المنحرفة.
ولذلك يستخدم الخطاب الديني للتجريم. |